الجاحظ
209
رسائل الجاحظ
ونفوسهم هائجة . كان لا بد لمن كانت هذه صفته ، وهذا نعته ، من أن يستعمل الحيلة والحجة ، إذا أعجزه البطش والصولة . وكل من كان غيظه يفضل عن حلمه ، وحاجته تفضل عن قناعته ، فواجب أن ينكشف قناعه ، ويظهر سره ، ويبدو مكنونه . وقد أطمعني فيهم مناظرتهم لنا ، ومقايستهم لأصحابنا ، وقد صاروا بعد السب يحفون ، وبعد تحريم الكلام يجالسون ، وبعد التصام يستمعون ، وبعد التجليح يدارون ، والعامة لا تفطن لتأويل كفها ، ولا تعرف مقاربتها . فقد مالت إلينا على قدر ما ظهر من ميلها ، وأصغت لما ترى من استماعها . [ 9 - كتاب الرد على المشبهة يبين فساد آرائهم ] وقد كتبت - مد اللّه في عمرك - في الرد على المشبهة كتابا لا يرتفع عنه الحاذق المستغني ، ولا يرتفع عن الريض المبتدئ وأكثر ما يعتمد عليه العامة ودهماء أهل التشبيه من هذه الأمور ويشتمل عليه الفضل من حشوة الناس ، ويختدع به المحدثون من الجمهور الأعظم ، تحريف آي كثيرة إلى غير تأويلها ، وروايات كثيرة إلى غير معانيها . وقد بينت ذلك بالوجوه القريبة ، والدلالات المختصرة ، وبالاشعار الصحيحة والأمثال السائرة ، واستشهدت الكلام المعروف ، والقياس على الموجود . [ 10 - جاء الكتاب مختصرا لكي لا يمله القراء ] وهو مع ذلك كله كتاب قصد ، ومقدار عدل ، لم يفضل عن الحاجة ، ولم يقصر عن مقدار البغية . على أن الكلام لا ينبغي أن يكثر وإن كان حسنا كله ، إذا كان السامع لا ينشط له ، وجاز قدر احتماله ، لأن غاية المتكلم انتفاع المستمع . وقد قال الأولون : « قليل الموعظة مع نشاط الموعوظ ، خير من كثير وافق من الاسماع نبوة ، ومن القلوب ملالة » . قال بكر بن عبد اللّه المزني : ليس الواعظ من جهل أقدار السامعين ، وإنابة المرتدين ، وملالة المستطرفين .